زكريا القزويني

164

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن اللّه تعالى أوحى إلى دانيال « 1 » عليه الصلاة والسلام ، أن احفر لعبادي نهرين واجعل مفيضهما البحر ، فقد أمرت الأرض أن تعطيك فأخذ خشبة يجرها في الأرض ، والماء يتبعه وكلما مر بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده اللّه تعالى فيحيد الماء عنهم ، قيل : دجلة والفرات من ذلك ، ودجلة نهر مبارك ، كثيرا ما ينجو غريقها . ( حكي ) أنهم وجدوا فيها غريقا فأخذوه فإذا فيه رمق ، فلما رجعت إليه نفسه سئل عن حاله ، وكان من موضع وقوعه إلى موضع نجاته مسيرة أيام . ( نهر الذهب بالشام ) يزعم أهل حلب أنه وادي بطنان ، ومعنى قولهم : ( نهر الذهب ) ؛ لأن جميعه يباع أوله بالميزان وآخره بالكيل ، فإن أوله تزرع عليه الحبوب وتغرس عليه الأشجار ، وآخره ينصب إلى بطيحة فرسخين ينعقد ملحا ، والعجب من هذا النهر أنه لا يضيع منه شيء بل يباع كل الذهب .

--> ( 1 ) وقد حكى ابن كثير شيئا عنه قائلا : قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن أبي خالد بن دينار ، حدثنا أبو العالية قال : لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه ، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا ، فقلت لأبي العالية : ما كانت فيه ؟ قال : سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد ، قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفقرة فلما كان بالليل دفناه وسينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا ينبشونه ، قلت : فما يرجون منه ؟ قال : كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون ، قلت : من كنتم تظنون الرجل ؟ قال : رجل يقال له : دانيال ، قلت : منذ كم وجدتموه قد مات ؟ قال : منذ ثلاثمائة سنة ، قلت : ما تغير منه شيء ؟ قال : إلا شعرات من قفاه ، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض . ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو عبد صالح ؛ لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نبي بنص الحديث الذي في البخاري ، وقد ورد في الأثر كلمات وردت على لسان دانيال عليه السلام أنه قال : الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره ، والحمد للّه الذي يجيب من رجاه ، والحمد للّه الذي من وثق به لم يكله إلى غيره ، والحمد للّه الذي يجزي بالإحسان إحسانا ، والحمد للّه الذي يجزي بالصبر نجاة ، والحمد للّه الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا ، والحمد للّه الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا ، والحمد للّه الذي هو رجاؤنا حين نقطع الحيل عنا . قال هذه الكلمات حينما نجاه اللّه تبارك وتعالى من يد بختنصر وعندما سجنه في الجب . انظر قصص الأنبياء لابن كثير ( 397 ) .